بيان عربي عن الصراع بين روسيا والأطلسي

بيان عربيّ عن الصِّراع بين روسيا والأطلسيّ

نعلم أنَّ روسيا الحاليَّة ليست الاتِّحاد السُّوفييتيّ؛ لكنَّها، في المقابل، ليست روسيا يلتسين وكوزيريف وتشوبايس وبيروزوفسكي وسواهم مِنْ ممثِّلي المافيا الصَّهيونيَّة والليبراليَّة المتوحِّشة الموالية للغرب.

نعم، روسيا ليست الاتِّحاد السُّوفييتيّ؛ لكنَّها وجدتْ نفسها، موضوعيّاً، وتجد نفسها، فعليَّاً، في خندقٍ واحد مع الشُّعوب المقهورة المستغلَّة؛ لأنَّها مستهدفة من الغرب الإمبرياليّ، مثلها مثل كلّ الدُّول والشّعوب الأخرى، ومهدَّدة في استقلالها ووحدتها وحقَّها في بناء نفسها وإنجاز تنميتها الوطنيَّة والذَّود عن أمنها واستقلالها.

لقد ظلّ حلف الأطلسيّ يزحف نحوها، منذ انهيار الاتِّحاد السُّوفييتيّ، إلى أن أصبح على حدودها ويوشك أن يهدِّد وجودها.

ولذلك، فروسيا تدافع عن أمنها واستقلالها ووحدتها وحقِّها في الوجود الكريم المشرِّف، في حين أنَّ الغرب الإمبرياليّ يصارع بضراوة للاحتفاظ بـ «حقِّه» في الهيمنة والتَّسلّط على العالم.. هذه الهيمنة الممتدّة منذ حوالي خمسة قرون؛ وللاحتفاظ، كذلك، بـ «حقّه» في مواصلة العدوان – بلا قيد أو شرط – على الدُّول والشُّعوب ونهبها واستغلالها وتسخيرها لخدمته وخدمة مصالحه.

فهل يحتاج أيّ حُرّ وأيّ منصف أكثر مِنْ هذا، ليعرف مع مَنْ يقف وضدَّ مَنْ؟

لقد اضطرَّت روسيا للتَّحرُّك إلى الأمام بقوَّة، كي تلاقي عدوَّها في الوقت والمكان المناسبين لها؛ بدلاً مِنْ أن تنتظره ليحدِّد هو وقت الملاقاة ومكانها المناسبين له. بيد أنَّ تراكمات التَّاريخ الَّتي بلغتْ مستوىً فاصلاً، منحتْ هذا الصِّراع مغزىً عميقاً يتجاوز هذه المسبِّبات البسيطة والغايات المرتبطة بها؛ لتجد البشريَّة نفسها، بالنَّتيجة، أمام لحظةٍ تاريخيَّةٍ حاسمة..

فروسيا، عندما اندفعت إلى الأمام في حلبة هذا الصِّراع الضَّاري الَّذي فُرِضَ عليها، وجدتْ نفسها – سواء قصدتْ أم لم تقصد – تخوض معركة الشَّعوب المقهورة ضدَّ الغرب الإمبرياليّ المتوحِّش.. غرب الاستعمار والشّركات متعدِّدة (ومتعدِّية) الجنسيّة والبنك الدَّوليّ وصندوق النَّقد الدَّوليّ والسَّبعة الكبار الَّذين لا يشبعون من الولوغ في دماء الشُّعوب الفقيرة المهمَّشة.

لذلك، نرى هذا الغرب الإمبرياليّ المتوحِّش يصطفّ الآن خلف الولايات المتَّحدة، مثل فرقة للإعدام جاهزة لإطلاق نيران بنادقها دفعةً واحدة وباتِّجاهٍ واحد؛ ومثل جوقة رديئة تردِّد أصواتها النَّشاز بحسب إشارات عصا المايسترو الَّذي هو في الحقيقة مجرَّد قرصان، ثمّ تطلب من العالم كلِّه أن يطرب لسماع صوتها!

هذه البنادق المذخَّرة، وهذه الأصوات النَّشاز، ليست مصوَّبة نحو روسيا وحدها، بل هي مصوَّبة أيضاً إلى صفٍّ طويل طويل من الدُّول والشُّعوب الَّتي ابتُليَتْ طوال قرون بالهيمنة الإمبرياليّة الغربيّة.. صفٍّ طويل من الهنود الحُمُر بمختلف ألوانهم وأعراقهم وبلدانهم.. صفٍّ طويلٍ من العبيد المُذَلّين المهانين المقهورين المستَغَلّين.

ومع اشتدادِ الصِّراعِ، تشتدّ الضّغوط على العالم كلّه، ويشتدّ الفرزُ القسريُّ، على نحوٍ هستيريٍّ. الذِّئاب الإمبرياليَّة المتوحِّشة ترى فريستها وقد أوشكتْ أن تفلت منها؛ ولذلك فإنَّها تفقد صوابها، وتكشِّر عن أنيابها على نحوٍ غير مسبوق، وتتعامل مع العالم، مجدَّداً، على أساسِ المقولةِ الشَّهيرةِ «مَنْ ليس معنا، فهو ضدّنا».. إنَّها نفسها مقولة الفسطاطين، أو الأخيار والأشرار، أو الأغيار وشعب الله المختار!

الغرب الإمبرياليّ يحفر الخنادق ويقيم المتاريس، وليس أمام الشُّعوب المقهورة والمستَغَلَّة – ومنها شعوبنا العربيَّة – إلّا أن تعرف مصلحتها، وتقف في الخندق الصَّحيح الَّذي يخدمها. ومؤكَّد أنَّ الخندق الصَّحيح، المناسب لها، لا يمكن أن يكون، ولا بأيِّ حالٍ من الأحوال، الخندق الَّذي يقف فيه الغرب الإمبرياليّ، بل إنَّه، بالضَّرورة، الخندق المقابل له.

لقد سُدَّ باب التَّاريخ، طوال العقود الماضية، بصخرة القطبيّة الأحاديَّة الثَّقيلة. والمأمول الآن أن تنزاح هذه الصَّخرة لينفتح باب التَّاريخ مجدَّداً على آفاقٍ واسعة.. آفاقٍ تبدأ بمشهد إنهاء هيمنة الإمبرياليّة الأميركيّة (والأطلسيَّة)، ليلج العالم بعدها عصر القطبيَّة المتعدِّدة، وتنفسح أمام الشُّعوب – ومنها شعوبنا العربيَّة – مساحةُ حُرِّيَّةِ الاختيار وحُرِّيَّة القرار، وتُتاح لها الفرصة لنيل حقوقها.. وفي مقدِّمتها، حقّ تقرير المصير.

الغرب الأطلسيّ يقفز الآن عن جرائمه في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينيّة (وأوروبّا أيضاً).. يقفز عن جرائمه في فيتنام ولاوس وكمبوديا وجنوب إفريقيا وهندوراس وهاييتي وغرانادا وبنما ويوغسلافيا وأفغانستان والعراق وليبيا وسوريا وسواها الكثير الكثير.. ويتجاهل، خصوصاً، جريمة العصر الكُبرى الَّتي اقترفتها يداه في فلسطين ولا تزال فصولها تترى.. ليتحدَّث بكلّ صلف وعنجهيَّة (وفصام أيضاً) عن الدِّيمقراطيَّة والدِّكتاتوريَّة؛ حيث يضع نفسه في صفّ الدِّيمقراطيَّة وحقوق الإنسان والحُرِّيَّة، ويضع خصومه في صفّ الدّكتاتوريّة والعداء لحقوق الإنسان والحُرِّيَّة!

يتجاهل هذا الغرب الأطلسيّ أيضاً أنَّ النِّظام الدَّوليّ، الَّذي أقامه بنفسه والَّذي تقوده عواصمه، ليس نظاماً ديكتاتوريّاً فقط؛ بل هو نظام أوتوقراطيّ أيضاً ومستبدّ وإقصائيّ وفاسد وغير عادل بالمرَّة.

الغربُ الأطلسيُّ، رغم التَّغيَّراتِ الدَّوليَّةِ الهائلةِ، مستمرٌّ – حتَّى الآن – في التَّصرُّفِ بعجرفةٍ وعنجهيَّةٍ، ويواصلُ التَّكلّمَ عن نفسِه بوصفِه «المجتمعَ الدَّوليَّ».. كأنَّه لا يوجد أحدٌ غيرُه في العالم؛ بل كأنَّ الآخرين، على كثرتهم، لا شيء؛ وهو، على قلَّته، كلّ شيء!

وبعدما حاصر الغرب الصَّوتَ الآخرَ بكلّ السُّبلِ الممكنةِ، ها هو الآن ينفردُ بالجلوسِ مع نفسِه، فلا يسمعُ إلا صوتَه، أو صدى صوتِه، فيطربُ لما يسمعُه، ويصدِّقُ أكاذيبَه، فيخدعُ نفسَه.. بينما هو يظنُّ أنَّه يخدعُ العالمَ كلَّه، ثمَّ ينتهي به الأمر بأن يرى خصومه في عزلة.. وليس هو!

إنَّه في حالةِ إنكارٍ (بالمعنى النَّفسيّ)، تجعلُه يتجاهلُ الواقعَ الجديدَ، الَّذي يتشكَّلُ بدأبٍ وثباتٍ أمام ناظريه، ويرفض الاعترافَ به والتَّعاملَ وفقَ شروطِه.

ما يجري الآن إنَّما هو حدثٌ كبيرٌ، سيترك آثاراً عميقة وطويلة الأمد؛ ليس على مستوى النِّظامِ الدَّوليِّ فقط، بل على مستوى التَّاريخِ أيضاً.

باختصار، انتهت اللعبة..

انتهت الهيمنة الأميركيّة المطلقة..

14 نيسان 2022

«مجموعة التَّضامن العربيّ الأمميّ».

الموقِّعون عنها:


«مجموعة التَّضامن العربيّ الأمميّ».    تواصل مع كاتب العريضة

التوقيع على هذه العريضة

By signing, I authorize «مجموعة التَّضامن العربيّ الأمميّ». to hand over the information I provide on this form to those who have power on this issue.


أو

سوف تتلقى بريدًا إلكترونيًا يحتوي على رابط لتأكيد توقيعك. لضمان استلامك رسائلنا الإلكترونية، يرجى إضافة info@aredaonline.com إلى دفتر عناوينك أو إلى قائمة العناوين الموثوق بها.

يرجى ملاحظة أنه لا يمكنك تأكيد توقيعك بالرد على هذه الرسالة.




إعلان مدفوع

سنقوم بالإعلان عن هذه العريضة لـ3000 شخص.

اعرف المزيد...