جاءت رسالة السجناء السياسيين الأخيرة، الموقعة من أحد عشر سجيناً ينتمون إلى مشارب سياسية وفكرية مختلفة، في لحظة لم تعد تحتمل مزيداً من التشتت ولا استمرار إهدار الزمن السياسي في صراعات تستنزف الفضاء العام وتغلق الأفق الوطني. فهي تأتي في سياق يتّسم بتسارع مظاهر الانغلاق السياسي، وتنامي التضييق على الحريات، وتواصل الأحكام السجنية القاسية التي لم تعد تستثني حتى المقربين من السلطة.
لذلك لا يمكن النظر إلى هذه الرسالة باعتبارها بياناً ظرفياً، بل بوصفها نداءً وطنياً يخاطب مستقبل البلاد بأسره. وتكمن أهميتها الخاصة في أنها لا تتمحور حول المطالبة بإطلاق سراح أصحابها أو تحسين أوضاعهم داخل زنازينهم، رغم ما يواجهونه من محن ومعاناة، بل تجعل من المصلحة الوطنية أولوية تتقدم على المطالب الفردية.
فهي دعوة إلى توحيد القوى السياسية والمدنية حول هدف يتجاوز اللحظة: حماية الحريات والديمقراطية، واستعادة شروط العمل السياسي الحر، وإنقاذ دولة القانون من التآكل المستمر. وتبرز قيمتها في أن أصحابها، وهم في وضعية حرمان من الحرية، قدّموا مصير الديمقراطية على مصالحهم الخاصة، ودعوا إلى تجاوز الانقسام لبناء أرضية مشتركة في مواجهة الانغلاق السياسي.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة لأنها صادرة عن شخصيات تنتمي إلى مشارب فكرية وسياسية مختلفة، بل ومتعارضة في كثير من الأحيان، سبق أن خاضت فيما بينها صراعات حادة خلال سنوات الانتقال الديمقراطي. ومن ثم، فإن اجتماعها اليوم، من داخل السجون، حول أولوية الدفاع عن الحريات والديمقراطية لا يكتسب دلالة رمزية فحسب، بل يعكس إدراكاً متنامياً بأن ما يجمع التونسيين أصبح أكبر مما يفرقهم، وأن الخطر الذي يهدد المجال العام بلغ من الجسامة ما لم يعد يترك مجالاً للاستمرار في أسر الاستقطابات القديمة.
كما تكشف هذه الرسالة أن التجربة القاسية التي عاشها أصحابها أسهمت في إعادة ترتيب الأولويات. فبعد سنوات من الانقسامات والصراعات، يغدو الدفاع عن المجال الديمقراطي نفسه أولوية تسبق كل الخلافات الأخرى، لأن الاختلاف لا يمكن أن يستمر إذا انهارت الضمانات التي تحميه، ولا يمكن لأي تنافس سياسي أن تكون له قيمة إذا فقدت الحريات التي تؤطره وتصونه.
لكن الرسالة لا تدعو إلى إلغاء الاختلافات، ولا إلى بناء اصطفاف سياسي جديد، وإنما إلى التوافق على حد أدنى مشترك يصون الحق في الاختلاف ويضمن استمراره. وهي بذلك تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن إدارة التعددية السياسية إذا تآكلت الضمانات التي تجعلها ممكنة؟ وكيف يمكن أن تستمر المنافسة السياسية إذا فقدت الحريات التي تؤطرها وتحميها؟
فهذا الحد الأدنى المشترك لا يعني إنشاء جبهة سياسية جديدة، ولا إنتاج اصطفافات بديلة، بل يقوم على الاتفاق حول قواعد وضمانات مشتركة تنظّم التنافس الديمقراطي، وتحمي الحق في الاختلاف، وتكفل التداول السلمي على السلطة. فالديمقراطية لا تقوم على إلغاء الخلاف أو تذويبه، وإنما على وجود مؤسسات وقواعد راسخة تجعل من التعددية والاختلاف مصدر قوة وإثراء، لا سبباً للتفكك والانقسام.
كما تكتسب هذه الدعوة أهمية مضاعفة بحكم توقيتها، إذ تأتي في ظل أزمة سياسية مستمرة، وأوضاع اقتصادية واجتماعية متدهورة، وغضب متزايد لدى عموم الشعب من الأداء الكارثي للسلطة على مختلف المستويات. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح استمرار الانقسام ترفاً لا يملكه الوطن، وتغدو القدرة على بناء أرضية مشتركة للدفاع عن الديمقراطية والحريات شرطاً أساسياً لحماية الدولة والمجتمع معاً.
ويزداد هذا النداء إلحاحاً لأن ما تعيشه تونس اليوم لم يعد يقتصر على أزمة سياسية، بل تحول إلى أزمة وطنية شاملة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية عميقة تمس حياة المواطنين اليومية. فلا يمكن إعادة بناء الثقة في الديمقراطية إذا بقيت عاجزة عن تقديم حلول ملموسة لمشكلات البطالة والفقر والتفاوت الجهوي وتدهور الخدمات العمومية. فالدفاع عن الحريات لا ينفصل على الدفاع عن الكرامة الاجتماعية، وكلاهما يشكلان وجهين لمشروع وطني واحد، لا يمكن أن ينجح أحدهما دون الآخر.
من هنا، فإن التحدي الحقيقي لم يعد يكمن في إصدار النداءات، بل في القدرة على حسن الاستجابة لها وتحويلها إلى فعل. فقد أثبتت التجارب أن التشتت لم يحمِ أحداً، بل زاد من ارتهان البلاد لمنطق الحكم الفردي، وأضعف قدرتها على إنتاج بدائل سياسية واقتصادية، وفتح الباب أمام أزمات متتالية أنهكت الدولة والمجتمع، وأفرغت الفعل السياسي تدريجياً من معناه بوصفه مجالاً للتأثير والتغيير.
لذلك، فإن توحيد جهود القوى الديمقراطية والمدنية حول أهداف واضحة ومحددة لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها دقة المرحلة وخطورة ما تمر به البلاد. غير أن تحويل هذا النداء إلى قوة فعلية يقتضي الانتقال من منطق البيانات إلى منطق العمل المنظم. فقد أثبتت التجربة التونسية أن حسن النوايا وحده لا يكفي، وأن غياب آليات الحوار والتنسيق والعمل المشترك كان من بين الأسباب الرئيسية لتعثر التجربة الديمقراطية.
والمطلوب اليوم ليس فقط الاتفاق على المبادئ، بل بناء مسار دائم للحوار، وإنتاج مبادرات مشتركة، واستعادة الثقة تدريجياً بين مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين، حتى يتحول هذا النداء إلى بداية فعل سياسي جديد، لا إلى محطة عابرة أخرى في مسلسل الأزمات.
لقد قام السجناء السياسيون بما يمليه عليهم واجبهم الوطني، ووجّهوا رسالتهم من داخل السجون، حيث تختلط المعاناة بالإحساس العميق بالمسؤولية تجاه مستقبل البلاد. أما اليوم، فإن المسؤولية تنتقل إلى القوى السياسية والمدنية، وإلى النخب الوطنية، وإلى كل من يؤمن بأن تونس تستحق مستقبلاً أفضل. فالتاريخ لا يصنعه أصحاب النداءات وحدهم، بل الذين يحسنون الاستجابة لها وتحويلها إلى مبادرات ومسارات عمل مشتركة. وإذا نجحنا في جعل هذه الرسالة بداية لمسار جديد يقوم على الحوار والثقة والعمل الجماعي، فقد تتحول إلى إحدى اللحظات المؤسسة لاستعادة الديمقراطية والكرامة. أما إذا بقيت مجرد صدى عابر، فإن البلاد ستواصل الانزلاق في دوامة الانقسام والعجز وتآكل الأفق الوطني.
لقد علمتنا التجربة التونسية أن انهيار المسار الديمقراطي لم يكن نتيجة قوة الاستبداد وحدها، بل أيضاً نتيجة عجز القوى الديمقراطية عن بناء الحد الأدنى من العمل المشترك. وإذا كانت رسالة السجناء السياسيين تذكرنا اليوم بهذه الحقيقة، فإن أفضل استجابة لها لا تكون بالاكتفاء بالترحيب بها، بل بتحويلها إلى بداية مراجعة جماعية تؤسس لثقافة سياسية جديدة، يكون الحوار فيها بديلاً عن الإقصاء، والعمل المشترك بديلاً عن التشتت، والمصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية والشخصية. فالمعركة الحقيقية ليست فقط استعادة الديمقراطية، بل أيضاً استعادة القدرة على بنائها وحمايتها بصورة جماعية ومستدامة.